محمد الغزالي

426

فقه السيرة ( الغزالي )

قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألستم تعلمون أنّ ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف يشاء ؟ وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشّراب ، ولا يحدث الحدث ؟ » . قالوا : بلى ! . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة ، ثمّ وضعته كما تضع ولدها ، ثم غذي كما يغذى الصبيّ ، ثم كان يأكل الطعام ، ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث ؟ » . قالوا : بلى . قال صلى اللّه عليه وسلم : « فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ » . فقالوا : ألست تقول في عيسى : إنّه كلمة اللّه ألقاها إلى مريم وروح منه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « بلى » . فلما رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنّ الجدل يتمادى بالقوم ، وأنّهم مصرّون على اعتبار عيسى إلها أو ندّا للإله قال لهم : « أقيموا غدا حتّى أخبركم » . فنزلت آيات المباهلة : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) [ آل عمران : 59 - 61 ] . فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الغد ، وقد أقبل بنفسه ، وحفيديه الحسن والحسين ، وابنته فاطمة . واستعدّ أن يشترك مع وفد نجران في صلاة جامعة تستنزل فيها لعنة اللّه على المفترين . واستمع وفد نجران إلى هذا الاقتراح ، فأوجسوا خيفة من قبوله ! من يدري ؟ قد يكون محمد صادقا في أنّ عيسى بشر مثله ويكونون - هم - واهمين في انتحال الألوهية له . فلماذا يبتهلون إلى اللّه أن يمحقهم ؟ ! . ونظروا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وطفليه وابنته ، فشعروا أن الكاذب منهما لن يهلك واحده بل ستهلك معه أسرته ، فخشوا على أولادهم وأهليهم البوار إن هم قبلوا هذه المباهلة ، ثم خلصوا نجيا .